أبي منصور الماتريدي

292

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقت ثان ، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان . واللّه أعلم . فإن سئلنا عن التكليف : أيكون فيما لا يطاق ؟ فجوابنا : أنه فيما منعنا عنه فلا . وفيما لم نمنع ، وصنيعنا يشغلنا بغيره ، فبلى . ثم الكافر بما أعطى من القوة والاستطاعة ، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطى من القوة . فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر أينا أحق بالقول بتكليف ما لا يطاق . فمن قول المعتزلة : إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت الثاني . ثم في الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد ، ثم جعلوه أيضا غير قادر على الترك للفعل . والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع ، بل في ثان من الوقت . فحصل عندهم الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه . فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا ؟ ! وبالله التوفيق . ثم أفحش من هذا ما قالوا : إن القدرة تتقدم الفعل ، والفعل هو الذي يدل على وجود الولاية ، وهو في وقت إيجاد الفعل ، إن كان كفرا يعادى ، وإن كان إيمانا يوالى . فحصل القول : على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت الانتهاء والائتمار . ثم قولهم في قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] ، أنه على الجبر . ولا يحتمل ذلك ؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة ، وهو قوله : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران : 83 ] ، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة ، بان أن الثاني على الاختيار . ثم قولهم : في استطاعة واحدة لفعلين خطأ ؛ لأن من قولهم : إن الاستطاعة لا تبقى ، ثم وجود الفعلين معا في وقت باستطاعة واحدة محال ، ووجود تلك الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء ، ووجوده عندهم على البدل « 1 » محال ، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر ؛ فثبت أنه خطأ . وقوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فيه دلالة : أن اللّه تعالى إنما يأمر عبيده وينهى ، وإنما يأمر وينهى ؛ لمنافع لهم ولضرر يلحقهم ، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر ، أو بضر يلحقه فينهى عن ذلك . فيكون الأمر جارّا منفعة ، وفي النهى دافعا مضرة . كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر

--> ( 1 ) في ط : البعض .